الأربعاء، 18 ديسمبر، 2013

كلمة في التعريب لشاعر النيل حافظ إبراهيم


وجدت هذا النص في الصفحات الآولى من كتاب متآكل مهترئ وضع زينة على رفوف أحد المطاعم. لفتني العنوان ( البؤساء ) - رواية فيكتور هيجو الشهيرة - و شد نظري إسم المترجم: حافظ إبراهيم. 
و بما أن اليوم هو اليوم العالمي للغة العربية أحببت أن أشارككم مقدمة المعرب ( هكذا أسمى حافظ إبراهيم نفسه و لم يقل المترجم ).

كلمة في التعريب
بقلم: محمد حافظ إبراهيم

هذا كتاب "البؤساء"، و هو خير ما أخرج للناس في هذا العهد، وضعه صاحبه و هو بائس، و عربه معربه و هو بائس فجاء الأصل و التعريب كالحسناء و خيالها في المرآة، وضعه نابغة شعراء الغرب و هو في منفاه، و عربه كاتب هذه الأسطر و هو في بلواه.

و لولا أني أشرب بالكأس التي يشرب بها ذلك الرجل العظيم، لما وصل مبلغ علمي إلى مبلغ علمه، و لما سبح يراعي في قطرة من سيول قلمه. و لو أن لي قلماً من أعواد أشجار الجنة، و صحيفة من صحف إبراهيم و موسى، و قد تلقتني البلاغة من كل جهة بفضلها، فسموت إلى لباب مصاصها، و أخذت منها حاجتي، لما حدثتني النفس بتعريب ذلك الكتاب، لولا إتحدنا في الألم و تشابهنا في الشقاء.

فلقد كنت أنظر فيه نظرة المنجم في الميقات، و أستوزع الله بيان تلك المعجزات، حتى إذٰا نفذ الفكر إلى ما وراء سطوره، و إهتدى الخاطر إلى مكامن حكمه، دعوت أم اللغات، و عملت على التوفيق بين هذه الغادة الشرقية و تلك الفتاة الغربية، و عمدت إلى مد صلة النسب بين الغادتين اللتين إنتهت إليهما بلاغة العرب و بلاغة الإفرنج، فإذا شمست إحداهما و أزور جانبها، أغريت بها سلطان العقل، فلا يزال بها يروضها كما يروض الراكب المطية الصعبة، حتى تسكن إلى أختها و ترتاح إلى جوارها. و لم تزل تلك حالي: أدخل بينهما دخول المرود بين الجفن و الجفن، و أمشي بينهما مشية الحكيم في الصلح بين القوم و القوم، حتى أئتلف الذوقان و أمتزج الروحان، و ضمت شمسيهما طفاوة، و إحتوت بدريهما هالة، و خلعت الأولى على الثانية جلالها، و أعارتها الثانية نضارتها و جمالها، و أصبحت تلك المعاني الأفرنجية بعد صقلها اللسان المبين، و جندرها الذوق الشرقي، تسكن هذه المعاني العربية.


و لم يقع للناطقين بالضاد حتى اليوم شيء من مؤلفات ذلك الحكيم، و هم أحوج الناس إلى معرفة أسرار الحياة و الإنتفاع بمثل ذلك الفكر، الذي كنت بينا أراه يسابح الأجرام في أفلاكها إذا هو يدارج النمال مدابها، و بينا ألمحه بين ذروة العلم و شرفة القصر، إذا هو بين قاع البحر و عميق النهر.. فكم أفلت من هجيرة و إختبأ في خميلة، فمن تلهب جمرة القيظ في صميم القائلة، إلى تراوح النجم في الروضة، و من التردد بين زفير العاشق و حرقته ، إلى التمشي بين الحبيب و ريقته.

و لا يزال الكتاب في كل أمة يتلمسون أن يعقل عنهم ما ألهموا أن يدخلوه في مؤلفاتهم من الحكم و الأمثال، فيصدحون عنها الشرور بأقلامهم كما يصدح المطر، و يستهبطون الحكمة في سمائها فيسكنونها بين سطورهم، و ينشدون بين نسيم عليل ،و ماء سلسبيل، ذلك المركب الذلول الذي لا تلحق به صافنات الخيول، فوقفنا أمامك موقف الحائر لا نعرف له إسماً يدل على مسماه، و مرادفاً في اللغة يؤدي معناه؟


فخذوا أيها القادرون على الإصلاح بيد اللغة، و أنظروا كم أدخل فيها آبائكم من كلمة فارسية
و هذا كتاب الله بين أيديكم يأذن لكم بما ندعوكم إليه.
و هذا باب من الإشتقاق و باب النحت لا يزالان بحمد الله مفتوحين لم يصبهما ما أصاب باب الإجتهاد، فادخلوا منهما آمنين.


ربة منزل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق