السبت، 9 فبراير، 2013

في مدرسة ماليزية

تعرفنا على أم معاذ و أبو معاذ و إبنيهما- معاذ و أحمد - عندما كنا أطفالاً صغاراً. قبل حوالي عشرين سنة عندما كانوا يقطنون السعودية.
عندما أراجع شريط ذكرياتي، أرى أم معاذ و هي تشرح لنا مسابقة حركية أو وهي جالسة تتحدث مع أمي. أتذكر معاذ و أحمد و هما يعلماني و أخي كيف نقول ( نمر ) بالمالاوية. و أتذكر قراقيش الرز المقرمشة الملونة التي كانت أم معاذ تطعمنا إياها.
 

غادرت العائلة الماليزية الصغيرة السعودية بعد بضع سنوات من الإقامة و العمل حقق بها أبو معاذ هدفه : تعلم اللغة العربية و زاد على ذلك إجازة بقراءة و ترتيل القرآن الكريم . كانت عروض العمل مغرية جداً حينها لبقاء العائلة و لكن الأب آثر الرجوع ليهتم بوالده الكبير بالسن.
لم يدر ببالي أنني سأزور ماليزيا يوماً و أرى أم معاذ بعد هذا الإنقطاع الطويل. و لكن ما إن عدت إلى السعودية لزيارة أهلي قبل شهرين حتى أصرت أخواتي أن نذهب سوياً و نزور بلاد الملايو.

و إلتقينا بأم معاذ من جديد بعد إنقطاع عقدين من الزمن. بعد لقاء حار، دعتنا العائلة إلى مائدة الغداء و تناولنا آخر الأخبار و الإحوال. كبرت العائلة الصغيرة و صار عدد أبنائها ٤ (معاذ و أحمد و أنس و نعيم) و بنت صغيرة في التاسعة إسمها ( عليين ) هي آخر العنقود، بالإضافة إلى قريب صغير (نسيت إسمه) فقد أبويه و إنتقل إلى منزل خالته أم معاذ.

أخبرتنا أم معاذ أنها قد إفتتحت روضة خاصة تديرها و إسمها Iman Readers. و دعتنا إلى زيارتها. و في آخر يوم لنا في ماليزيا زرنا المدرسة أنا و أختي. كان ذلك أجمل ما قمنا به في رحلتنا.

وصلنا إلى المدرسة صباح يوم الجمعة في الساعة التاسعة. المدرسة تقع في الطابق الثاني لمبنى تجاري و هو مقر مؤقت للمدرسة حيث أن المبنى الرئيسي كان تحت الترميم و التجديد.
أول ما قمنا به هو خلع أحذيتنا و وضعها على الرفوف مع أحذية الطلاب و المعلمات.

رحبت بنا أم معاذ كثيراً و أدخلتنا الفصل الأول. كان به حوالي ١٢ طفل في سن السادسة. حيت أم معاذ الأطفال الذين ردوا عليها التحية جماعياً. ثم أخبرتهم عن الزوار و طلبت من الأولاد أن يقفوا و يسلموا علينا ثم طلبت من البنات السلام. أتانا الأطفال و فاجأونا بالتحية الملاوية التي تبدأ بالمصافحة ثم تقبيل اليد ثم وضعها على الرأس. إبتسمنا أنا و أختي و تبادلنا النظرات بدهشة. كان الأمر غريباً جداً بالنسبة لنا. و كذلك إستغرب الأطفال منا عندما أرادت أختي أن تحييهم على طريقتنا بالتقبيل على جانبي الوجه، و حتى لا نوقعهم في حيرة إكتفينا بتحييتهم اللطيفة لنا.

شرحت لنا أم معاذ أن درس اليوم كان عن مكة، مولد رسول الله. و قد إختارت الدرس في هذا الوقت لأنه قرب يوم المولد النبوي و هو يوم يحتفل به الماليزيون. و لأنها تدرك أن الإحتفال به بدعة ولكن في الوقت ذاته هو أمر يقوم به جميع الماليزين و إعتادوا عليه، قررت أن تجعلها فرصة للتعلم و التعرف على رسول الله و على حياته و على مسكنه و مولده و سننه بدل أن يكون إحتفال طعام و شراب و أغاني دينية كما يفعل الأغلبية.
و لذا كان الأطفال يلونون الكعبة المشرفة و عبارة التوحيد عندما دخلنا أنا و أختي الفصل.

ذهبنا بعدها إلى الفصل المجاور الذي يضم أطفالاً في سن الرابعة و الخامسة. سلمنا على المدرسة المشرفة على الصف و حيانا الأطفال مرة أخرى على الطريقة الملاوية الجميلة.
إنتقلنا بعدها إلى الغرفة الثالثة و هي غرفة اللعب و الطابور الصباحي. كانت نظيفة و خالية. علقت على جدرانها لوح و في أركانها ألعاب و رفوف كتب و مجلات للصغار. و كان بها مقاعد و طاولات مطوية في أحد الجوانب.أخبرتنا أم معاذ أن هذه المقاعد هي لمدرسة المساء حيث يحضر الكبار و الصغار لتعلم قراءة القرآن باللغة العربية ( حوالي ١٥٠ طالب ).

أحضرت لنا أم معاذ الكتب المستخدمة لتعليم القراءة العربية و الأدوات. كل طالب يمسك  بالصحن الخشبي و ينقر عليه بعدد الحركات التي يسمعها: الحرف = حركة، المد = حركة.  ( سجد = ٣ نقرات ) ( ساجد = ٤ نقرات )
بهذه الطريقة يبقى الصغار و الكبار على إنتباه و يستطيع المعلم معرفة الأخطاء بعدد النقرات و زيادتها و نقصها.

تصفحنا الكتب الدراسية و التي كانت باللغة الملاوية و بعضها بالإنجليزية. جميعها طبعت و ألفت في ماليزيا و للفرد الماليزي. الطفل الماليزي يمسك كتابه التعليمي بأي اللغتين و يقرأ عن أحداث و شخصيات تقع في محيط يألفه: فيقرأ عن محمد و عن مريم في كولالمبور و هما يأكلان السمك و يلعبان بين شجر المطاط. عكس تماماً ما كنت أقرأه في المدرسة عندما كنت طالبة و لاحقاً عندما عملت في التدريس: عن بيتر و ماري و جون وهم يتزلجون على الجليد و يفرغون القرع و يحتفلون بالهالاوين. تذكرت و أنا أتصفح هذه المجلات الماليزية عبارة من مقطع قصير رأيته على "تيد" عن خطورة النظرة الأحادية: لم أكن أعرف أن أناس مثلي يمكن أن يتواجدوا في الكتب.

وقفت أم معاذ تحدثنا بحماس و حب عن اليوم الدراسي المعتاد و كيف تدير المدرسة و تدريب و إختيار المعلمات و عن المبنى الجديد الذي يتم ترميمه و تحسينه و عن قائمة الإنتظار و طلبات الإلتحاق التي تفوق ٢٥٠٠ طلب. فاجأتنا بأنها هي أيضاً من يدير و يدرس في مدرسة المساء و أنها هي و أسرتها يجتمعون كل عطلة أسبوع للعمل في المبنى الجديد و صبغه و تحسينه. حدثتني عن الكتب التربوية في إدارة الصف التي تقرأها و إطلاعها على الأساليب الأمريكية و الأوربية و اليابانية في التوجيه و إدارة الصف. قصت علينا بعض المشاكل السلوكية التي واجهتها و كيف حلتها و تسعى لحلها.

أثناء الحديث وصل إبنها أنس الذي أنهى دوامه الجامعي مبكراً و أتى ليساعد في المدرسة. إحدى المعلمات إعتذرت عن الحضور لأن اليوم هو يوم زواجها :) درست أم معاذ الحصة الأولى و أتى أنس لإستلام باقي الدوام. الأطفال فرحوا كثيراً برؤية أنس و ودعوا أمهم. فهم و أولياء الأمور ينادون أم معاذ بـ ( أمي ) إحتراماً و تقديراً لها.

أثناء مغادرتنا لفتت نظري مفاتيح الكهرباء حيث كتب على ٣ منها أسماء ميزتها بسهولة: الغامدي - عبدالباسط - السديس. سألت أم معاذ إن كانت هذه المفاتيح متصلة بجهاز تسجيل يذيع القرآن بصوت القراء الثلاثة. ضحكت أم  معاذ ثم تكلمت بجد و قالت أن الأطفال هنا يحفظون أسماء المغنيين و الفنانين و لكن لا يعرفون قراء القرآن، و لذا فقد أسمت كل حجرة بإسم قارئ ليتعرف الأطفال على أشهر قراء القرآن. خنقتني العبرة عندها و لا تزال تخنقني كلما تذكرت هذه المفاتيح الثلاثة.

بعد ذلك أخذتنا أم معاذ إلى المبنى الأساسي و دارت بنا في ساحة اللعب و حول المبنى لكنها إعتذرت عن إدخالنا للداخل لأنهم لم ينتهوا من الترميم و التحسين و الذي كما ذكرت سابقاً تقوم به هي و زوجها و أبنائها دون مساعدة من أحد. أرتنا الرسومات التي رسمها إبنها أحمد على الجدار و قصت علينا كيف أن أحد الأشخاص إتصل عليهم ذات يوم طالباً منهم أن يضم إبنه إلى المدرسة فقط لأنه رأى الرسومات من وراء البوابة و أحس أن وراءها هدف نبيل و راحة. لم تتمكن أم معاذ من تلبية طلبه نظراً لأن العدد محدود و لكنها وضعت إسم طفله على قائمة الإنتظار.

و نحن في طريق العودة إلى السكن، لم أستطع أن أقاوم أكثر فسألت: كيف يا أم معاذ تجدين وقت للعائلة و لنفسك و للراحة؟ فأنت في الصباح في الروضة و في المساء في مدرسة القرآن و في نهاية الأسبوع في المبنى ترميمنه و تصلحينه!

ضحكت أم معاذ و كأنها تقول ما هذا السؤال يا راوية و ردت: "الراحة ليست هنا. الراحة في البرزخ."

تحياتي
ربة منزل

هناك 3 تعليقات:

  1. غير معرف1/7/13

    أسلوبك سلس جميل أحسست أني ذهبت ورأيت هذه المدرسة فعلا .. مدونة رائعة ! ردك الله إلى ديارك سالمة غانمة ان شاء الله

    ردحذف
    الردود
    1. جزاك الله خير و شكراً على التعليق :)

      حذف
  2. قصصة جميلة ومحفزة .
    الأهم تحديد الهدف والاقتناع به أولا .
    وكلما عظم الهدف ، عظمت الرغبة وهان التعب .

    ردحذف